ابن الفارض

113

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

الوجودية التي هي مناط الصّحو والسكر ، ومدار الغيبة والحضور منتهى قدر تردّدي ، وغاية سيري إلى مطلوبي ، وهذا التحيّر المنتهي بوجود المحو تحيّر مذموم ؛ لأنه نتيجة التردّد والشكّ في المطلوب على خلاف التحيّر في مشاهدة جمال المحبوب ، فإنه محمود مطلوب في قوله - عليه السلام - : « رب زدني تحيّرا » « 1 » ، أو الشريعة عبّرت عن هذا التحيّر بسدرة المنتهى ، أي : التحيّر الحاصل في منتهى السير والوصول إلى مشاهدة الحق ، وابتداء هذه السدرة منتهى السّدرة الأولى ، فهذه سدرة المنتهى ؛ لأنها حيرة حاصلة في المنتهى ، ولا منتهى لهذه السّدرة بخلاف الأولى ، ثم قال : فلمّا جلوت الغين عني اجتليتني * مفيقا ومنّي العين بالعين قرّت ( جلوت ) أي : صقلت من الجلاء ، و ( اجتليتني ) أي : رأيتني ، و ( الغين ) : حجاب رقيق ، ورد في الحديث : « إنه ليغان على قلبي » ، و ( العين ) الأولى : الباصرة ، والثانية : الذات ، يعني : كان سكري [ 139 / ق ] لوجود حجاب رقيق ، وهو حجاب الوجود ، فلما ثقلت صدأ ذاك عني رأيتني صاحيا ، واكتحلت عيني بمشاهدة الذات ، والوجود حجاب في البداية ، والوسط لا في النهاية ، وكما يكون ظاهر الوجود المعبّر عنه بالخلق في الابتداء حجاب باطنه ، ففي الوسط ، وهو حال فناء الخلق والسكر يكون الباطن المسمّى بالحق حجاب الظاهر . وأمّا في النهاية ، وهو حال الصّحو والإفاقة والبقاء بعد الفناء ، فلا يكون الخلق حجابا للحقّ ، ولا الحقّ حجابا للخلق ، ويتجلّى الإله سبحانه على المكاشف باسمه الظاهر والباطن معا ، والمراد أن الموحد في بداية حال الاتّحاد قبل استقرار مقامه يحتاج في مشاهدة الذات إلى الغيبة عن الاحتباس ، ونزول حال السكر ، وكلّما عاد من سكره وغيبته إلى الشهود والصحو لم يبق له حال المشاهدة والاتّحاد ، وهذا الشهود والصحو ليسا من جملة الأحوال والمقامات ، بل كل واحد منهما في مقابلة مقام ، والشهود الذي هو من جملة المقامات شهود الحقّ ، والصحو الذي هو من جملة المقامات صحو حاصل بعد المحو الكلّي ، وقول الناظم - رحمه اللّه - : ( اجتليتني مفيقا ) إشارة إلى هذا الصّحو في هذا المقام ترتفع الحجب بأسرها ، فلا يكون ظاهر الوجود حجاب الذات ، بل يشاهد صاحب هذا المحو بعين باصرة جمال الذات الموصوفة باسمها الظاهر كما كان قبله في حال السكر مشاهدا بعين بصيرته جمال الذات الموصوفة باسمها الباطن ، وهذا معنى قوله : ( ومني العين

--> ( 1 ) لم أجده .